// // //
" جُعِلت لي الأرض مسجداً وطهوراً "
Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.com

" جُعِلت لي الأرض مسجداً وطهوراً "

PDFطباعة

المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه نموذج للبشرية جمعاء في حياته وسيرته الشخصية , يحتذى به في الحفاظ على المصادر الطبيعية باعتبارها ملكاً للناس أجمعين نهى عن استنزافها أو التبذير في استهلاكها . فخاتم المرسلين علمنا وسار في حياته على هذا النهج فكان عاشقاً للبيئة وحامياً لحماها ،

مناهضا للتلوث بكل أشكاله ، يتعامل مع كل مكوناتها من نبات وحيوان وطير برفق وحب ، بل حتى موادها الأولية وصخورها وجبالها يحيطها بهذه النظرة الحانية ، فيعلن عن حبه للجبل قائلاً عن جبل أحد " هذا جبل يحبنا ونحبه " ، رواه البخاري .

يرتبط المنهج النبوي البيئي بنظرته للإنسان والكون والحياة ، ويشكل حافزاً داخلياً من أجل حفاظ الإنسان على بيئته وحمايتها من التلوث ، ويرتبط بالغاية الأساسية من خلق الإنسان وهي عبادة الله وإعمار الأرض . وفي هذا المنهج فإن الإنسان هو سيد في الكون وليس سيدا للكون ومن ثم ليس له أن يفعل ما يشاء ، وإنما يجب أن يراعي الكائنات والمخلوقات الأخرى التي تعيش معه باعتبارها أمما أخرى يجب أن نحافظ عليها . وهو منطلق أخلاقي بحت ، فالنبي – صلى الله عليه وسلم - علمنا أن المخلوقات الموجودة في البيئة أمم مثلنا تسبح الله ، وهو ما يجعل لها حقوقاً في الحفاظ عليها ، وعدم إتلافها أو قتلها إلا للمصالح المعتبرة . وقد تبين لنا هذا من الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : " قرصت نملة نبياً من الأنبياء فأمر بقرية من النمل فأوحى الله إليه : أن قرصتك نملة أحرقت أمة تسبح الله ؟ " وهذا المعنى موجود أيضاً في القرآن الكريم في قوله تعالى: " وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون " – الأنعام : 38 - ، وكذلك في قوله تعالى : " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ " - الحج:18 - وهذه الآيات الكريمة وغيرها تشير إلى الإنسان باعتباره أحد عناصر البيئة ، ومن ثم عليه أن يحافظ على العناصر الأخرى وألا يتلفها . ويخبرنا الله تعالى في آيات أخرى أنه سبحانه وتعالى قد سخر عناصر البيئة الأخرى للإنسان كالشمس والقمر والحيوانات وغيرها ، وهذا يفرض على الإنسان مسؤولية الحفاظ عليها وصيانتها شكراً لله تعالى على نعمته.
و هو ما يعد من الأمور المهمة للمهتمين بالشأن البيئي عموماً أن يعلموا أن الهدي النبوى كان يأمر بالحفاظ على التوازن البيئي.
غير أن المفهوم الاسلامي للبيئة والذي جسده المصطفى صلوات الباري وسلامه عليه أكثر عمقاً ؛ بحيث يربط البيئة بمجمل المنظومة الإيمانية للمسلم ، فالمسلم يؤمن بإله واحد خالق الكون ومنزل القرآن الكريم.

هذا المنظور يقوم على أن الله تعالى قد خلق الكون بما فيه ومن فيه وسخره سبحانه وتعالى للإنسان لكي يعمر الأرض ويعبد الله .
التسخير والوسطية :
وتقوم العلاقة بين الإنسان والبيئة في هذا المنظور الإسلامي ، الذي يجسده المصطفى - صلى الله عليه وسلم- على أساسين: الأول و هو التسخير: أي تسخير الله تعالى لمكونات البيئة لكي تساعد الإنسان على أداء رسالته في تعمير الأرض . حيث يقول تعالى "
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ‎ ‎وَالأَرْضَ ‏وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً ‏لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ‏وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ ‏وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33 (" سورة إبراهيم، الآيتان 32-33
والثاني الوسطية: وهذه الوسطية ترتبط بالتسخير، لكي يستفيد الإنسان من تسخير مكونات البيئة بأسلوب معتدل وبمنهج الوسطية الذي يميز الإسلام عن سائر الأديان الأخرى ، وينبع هذا الاعتدال من حقيقة موقع الإنسان في الكون، فالإنسان في المنظور الإسلامي : ''سيد في الكون'' وليس ''سيد الكون'' كما يرى الفكر الغربي ، الذي برر للإنسان الإسراف في تعامله مع البيئة، ورغبته في الهيمنة على الكائنات الموجودة في الكون مما أدى إلى آثار سلبية على مختلف مكونات النظام البيئي .

 

ومن ثم فإن مفهوم البيئة وفق المنظور الإسلامى الذي يجسده سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يعني أكثر من مجرد سرد لمكونات البيئة أو النظام البيئى ، - كما يقول عبد الحكم عبداللطيف الصعيدي - في دراسته " البيئة في الفكر الإنساني والواقع الإيماني " فهو يربط هذه المكونات بالنفس البشرية ، لأن شريعة الإسلام لا تقف بالإنسان عند حدود الماديات وشكلها وإنما تجعلها وسيلة لبلوغ الهدف الأسمى وهو تزكية النفس وتطهيرها وإعادة صياغتها على نحو خال من العقد والانفصامات، وهو ما تنفرد به الحنيفية السمحاء عما سواها من شرائع البشر وقوانينهم الوضعية .
وتشكل البيئة كما أخبرنا بها المصطفى - صلى الله عليه وسلم- كياناً حياً ، فليست الأرض مجرد جرم يطأه الناس بأقدامهم ، ويفعلون على ظهرها ما يشاؤون وليست الجبال مجرد كيانات هامدة وإنما هي كيانات حية لها حس وانفعال خاص فيقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : " لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا حجر ولا مدر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة " - رواه ابن ماجه ومالك فى الموطأ .
ويظهر منظور إيماني آخر وهو عنصر الجمال ، فقد روى مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود عن النبي –صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن الله جميل يحب الجمال ". ووضح هذا أيضاً من آيات عديدة في كتاب الله عز وجل ، فالله عز وجل يصف النباتات في كثير من آيات كتابه بأنها " حدائق ذات بهجة " ويصف أزواج النباتات بأنها " زَوْجٍ بَهِيجٍ " . كما أن الله تعالى لم يأمرنا فقط بالأكل من النباتات ، وإنما أمرنا أيضاً بالنظر إليها " انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ " (الأنعام: 99) وذلك لنستمتع بمنظرها الجميل ولنعرف نعمة الله تعالى علينا
.
إن كل مكونات البيئة قد خلقها الله تعالى بمقادير محددة وصفات معينة بحيث تكفل لها القدرة على توفير سبل الحياة الملائمة للإنسان وغيره من الكائنات الحية الأخرى على الأرض .. وبما يكفل لأي مكون أو عنصر من عناصر البيئة أن يؤدي دوره المحدد والمرسوم له في صنع الحياة في توافقية انسجامية غاية في الدقة فخضع كل ما فى الكون لدورة حيوية رسمها الخالق العظيم تتسم بالدقة من خلال سلسلة من العمليات وفقا لما قدره الخالق عز وجل . فيقول تعالى : " إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ " ( سورة القمر: الآية 49)

ويدعو سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم- إلى الحفاظ على المصادر الطبيعة والتعامل معها على أنها ملكية عامة للناس جميعا ، يشتركون في الحفاظ عليها ويشتركون أيضا في الانتفاع بها ، فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم " الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار" رواه أحمد وأبو دواود .
وهذا يبرز حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على الحفاظ على المصادر الطبيعية ، فيشير هذا الحديث النبوي إلى أهم هذه المصادر: الماء والعشب " المراعي الطبيعية " ومصادر الطاقة .. كما نهى الرسول صلوات الباري و سلامه عليه عن استنزاف الموارد أو المصادر الطبيعية ، ونظراً لأهمية الماء كمصدر أساسي للحياة فقد حث الرسول على الحفاظ عليه .

وإمعانا في الحفاظ على هذا المصدر الأساسي ، حذر المسلمين من الوسوسة في الوضوء حتى لا يزيد استهلاكهم للماء فقال صلى الله عليه وسلم : " للوضوء شيطان يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء" .
وضرب مثالاً في الاقتصاد في استهلاك المياه ، فقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يتوضأ بالمد - رطل وثلث - ويغتسل بالصاع - أربعة أمداد أو خمسة أرطال وثلث الرطل - رواه مسلم ومسند أحمد .

ومن هنا جاء تحريم الإسراف فى استخدام المياه حتى في حالة الوضوء للصلاة، وهذا مثال دقيق لضرورة الحفاظ على عنصر من أهم عناصر البيئة .

و روى أحمد في مسنده والبخاري في (الأدب المفرد) عن أنس أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : " إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها " .

 

وليس هناك تشجيع وحث على التشجير أقوى من هذا الحديث ، فكأنه دعوة إلى أن يكون العمل هدفاً في ذاته وليس وسيلة ، لأنه في هذه الحالة لن يأكل صاحب الغرس من ثمر غرسه ، ولن يأكل أحد غيره منه لأن الساعة على وشك القيام، ولكن يؤدَّى العمل هنا لذاته لأنه عبادة لله عز وجل .
فإذا تحدثنا عن الحفاظ على الثروة النباتية ، نجد حديث النبي – صلى الله عليه وسلم - الذي رواه أبو داود وصححه الألباني عن عبد الله بن حبشي – رضي الله عنه- عن النبي – صلى الله عليه وسلم - قال: " من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار ". وهو وعيد شديد لمن قطع الأشجار بغير حق .
و قد كافأ النبي – صلى الله عليه وسلم - الذي يعمر الأرض المهجورة أو غير المنتفع بها ، أو الذي عبر عنه النبي – صلى الله عليه وسلم - بأنه أحيا الأرض الميتة ، بأن ملكه هذه الأرض التي أحياها.
فقد روى الترمذي وأبو داود والنسائي وغيرهم عن سعيد بن زيد – رضي الله عنهما- أن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال: " من أحيا أرضاً ميتة فهي له ". وفي رواية للبخاري عن عائشة –ر ضي الله عنها - : " من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها " .
و هذا هو ما فهمه عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - الذي كان ينهى الناس أن يحتجزوا الأرض ولا يعمروها ، وقد قال لبلال بن رباح الذي أقطعه رسول الله – صلى الله عليه وسلم - أرض العقيق : " إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- لم يقطعك لتحتجزه عن الناس، وإنما أقطعك لتعمل ، فخذ منها ما قدرت على عمارته ورد الباقي" .


وعن مدى عناية النبي – صلى الله عليه وسلم - بالحفاظ على الثروة الحيوانية روى النسائي وأحمد عن الشريد الثقفى – رضي الله عنه- عن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال : " من قتل عصفوراً عبثاً ، عج إلى الله يوم القيامة يقول: يا رب، إن فلاناً قتلني عبثاً ولم يقتلني منفعة ".
وختاماً ..إنه من المستحيل إيفاء المدى الذي بلغته فلسفة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم البيئية ، وكذلك الأهمية التي تستأهلها ، حقهما فى هذه المقالة القصيرة ، فرؤيته الشاملة للطبيعة وفهمه لمكان الإنسان داخل العالم الطبيعى هما رؤية وفهم رائدان في مجال الوعي البيئي لدى المسلمين. وللأسف فإن الانسجام الذي دعا إليه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بين الإنسان وبيئته قد تم تجاهله في أيامنا هذه إلى حد بعيد. وفى الوقت الذي نواجه فيه آثار التلوث والإسراف في استخدام موارد الطبيعة والتصحير وشح الماء في بعض الأماكن في العالم مع المعاناة من الفيضانات والعواصف في غيرها من الأماكن ربما يكون من الملائم بالنسبة لنا جميعا أن نلقي نظرة على حياة سيد الكونين و الثقلين - صلى الله عليه وسلم- ونواجه الأزمة البيئية الحاليّة بجِدٍّ وحكمة.

 

 

Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com
Body
Background Color
Top
Background Color
Text Color
Link Color
Background Image
Bottom
Background Color
Text Color
Link Color