// // //
ساقي الحرمين-الجزء الأخير
Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.com

ساقي الحرمين-الجزء الأخير

PDFطباعة

ولنعد إلى الوراء قليلاً لنرى..في بيعة العقبة الثانية عندما قدم مكة في موسم الحج وفد الأنصار ثلاثة وسبعون رجلاً وسيدتان, ليعطوا الله ورسوله بيعتهم, وليتفقوا مع النبي عليه الصلاة والسلام على الهجرة إلى المدينة, أنهى الرسول إلى عمه العباس نبأ هذا الوفد, وهذه البيعة.. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يثق بعمه في رأيه كله..ولما جاء موعد اللقاء الذي انعقد سرا وخفية, خرج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمه سيدنا العباس إلى حيث الأنصار ينتظرون..وأراد سيدنا العباس أن يعجم عود القوم ويتوثق للنبي صلى الله عليه وسلم منهم..ولندع واحداً من أعضاء الوفد يروي لنا النبأ, كما سمع ورأى.. ذلكم هو سيدنا كعب بن مالك رضي الله عنه:
وجلسنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب .. وتكلم العباس فقال: يا معشر الخزرج, إن محمداً منا حيث قد علمتم, وقد منعناه من قومنا فهو في عز من قومه ومنعة في بلده, وإنه أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم..فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه, ومانعوه ممن خالفه, فأنتم وما تحملتم من ذلك..وإن كنتم ترون أنكم مسلموه خاذلوه بعد خروجه إليكم, فمن الآن فدعوه"..
" كان سيدنا العباس يلقي بكلماته الحازمة هذه, وعيناه تحدقان كعيني الصقر في وجوه الأنصار.. يتتبع وقع الكلام وردود فعله العاجلة..ولم يكتف سيدنا العباس بهذا, فذكاؤه العظيم ذكاء عملي يتقصّى الحقيقة في مجالها المادي, ويواجه كل أبعادها مواجهة الحاسب الخبير..هناك استأنف حديثه مع الأنصار بسؤال ذكي ألقاه, هو:
" صفوا لي الحرب, كيف تقاتلون عدوّكم"؟
إن سيدنا العباس بفطنته وتجربته مع قريش يدرك أن الحرب لا محالة قادمة بين الإسلام والشرك, فقريش لن تتنازل عن دينها ومجدها وعنادها.والإسلام ما دام حقا لن يتنازل للباطل عن حقوقه المشروعة.فهل الأنصار أهل المدينة صامدون للحرب حين تقوم ؟ وهل هم من الناحية الفنية, أكفاء لقريش يجيدون فنّ الكرّ والفرّ والقتال ؟ من أجل هذا ألقى سؤاله السالف:
" صفوا لي الحرب, كيف تقاتلون عدوّكم ؟ "
كان الأنصار الذين يصغون لسيدنا العباس رجالاً كالأطواد ، ولم يكد سيدنا العباس يفرغ من حديثه لا سيما ذلك السؤال المثير الحافز حتى شرع الأنصار يتكلمون ، وبدأ سيدنا عبدالله بن عمرو بن حرام مجيباً على السؤال:
" نحن والله أهل الحرب، غذينا بها ومرّنا عليها, وورثناها عن آبائنا كابراً فكابر. نرمي بالنبل حتى تفنى ، ثم نطاعن بالرماح حتى تنكسر ، ثم نمشي بالسيوف فنضارب بها حتى يموت الأعجل منا أو من عدونا "
وأجاب العباس متهللاً:
" أنتم أصحاب حرب إذاً , فهل فيكم دروع ؟ "
قالوا:
" نعم ، لدينا دروع شاملة " .
هذا موقف سيدنا العباس في بيعة العقبة ..وسواء عليه أكان يومئذ اعتنق الإسلام سراً , أم كان لا يزال يفكّر, فإن موقفه العظيم هذا يحدد مكانه بين قوى الظلام الغارب, والشروق المقبل,ويصوّر أبعاد رجولته ورسوخه .
ويوم تجيء حنين تؤكد فدائية هذا الهادئ السمت, اللين الجانب, حينما تدعو الحاجة إليها, وتهيب المواقف بها, بينما هي في غير ذلك الظرف الملح , مستكينة تحت الأضلاع , متوارية عن الأضواء .
في السنة الثامنة للهجرة, وبعد أن فتح الله مكة لرسوله صلى الله عليه وسلم ولدينه عز بعض القبائل السائدة في الجزيرة العربية أن يحقق الدين الجديد كل هذا النصر بهذه السرعة..فاجتمعت قبائل هوزان وثقيف ونصر وجشم وآخرون. وققروا شنّ حرب حاسمة ضدّ الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين.
إن كلمة قبائل لا ينبغي أن تخدعنا عن طبيعة تلك الحروب التي كان يخوضها الرسول صلوات الله وسلامه عليه طوال حياته. فنظن إنها كانت مجرّد مناوشات جبلية صغيرة, فليس هناك حروب أشدّ ضراوة من حروب تلك القبائل في معاقلها. وإدراك هذه الحقيقة لا يعطينا تقديراً سديدا للجهد الخارق الذي بذله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فحسب , ، بل يعطينا تقديراً صحيحاً وأميناً لقيمة النصر العظيم الذي أحرزه الإسلام والمؤمنون, ورؤية واضحة لتوفيق الله الماثل في هذا النجاح وذلك الانتصار.
احتشدت تلك القبائل في صفوف من المقاتلين الأشدّاء ، وخرج إليهم المسلمون في اثني عشر ألفاً .
اثنا عشر ألفاً ! وممن ؟ من الذين فتحوا مكة بالأمس القريب ، وشيعوا الشرك والأصنام إلى هاويتها الأخيرة والسحيقة, وارتفعت راياتهم تملأ الأفق دون مشاغب عليها أو مزاحم لها . هذا شيء يبعث على الزهو.
والمسلمون في آخر المطاف بشر, ومن ثم, فقد ضعفوا أمام الزهو الذي ابتعثته كثرتهم ونظامهم, وانتصارهم بمكة, وقالوا:
" لن نغلب اليوم عن قلة".
ولما كانت السماء تعدّهم لغاية أجلّ من الحرب وأسمى, فإن ركونهم إلى قوتهم العسكرية, و زهوهم بانتصارهم الحربي، عمل غير صالح ينبغي أن يبرؤا منه سريعاً, ولو بصدمة شافية . وكانت الصدمة الشافية ، هزيمة كبرى مباغتة في أول القتال, حتى إذا ضرعوا إلى الله, وبرؤا من حولهم إلى حوله, ومن قوتهم إلى قوته, انقلبت الهزيمة نصراً, ونزل القرآن الكريم يقول للمسلمين :" وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ "
كان صوت سيدنا العباس يومئذ وثباته من ألمع مظاهر السكينة والاستبسال ، فبينما كان المسلمون مجتمعين في أحد أودية تهامة ينتظرون مجيء عدوّهم, كان المشركون قد سبقوهم إلى الوادي وكمنوا لهم في شعابه وأحنائه, شاحذين أسلحتهم, ممسكين زمام المبادرة بأيديهم ..وعلى حين غفلة, انقضّوا على المسلمين في مفاجأة مذهلة, جعلتهم يهرعون بعيداً, لا يلوي أحد على أحد..ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدثه الهجوم المفاجئ الخاطف على المسلمين, فعلا صهوة بغلته البيضاء, وصاح:
" إلى أين أيها الناس..؟ هلموا اليّ..أنا النبي لا كذب..أنا ابن عبد المطلب"..


لم يكن حول النبي ساعتئذ سوى ساداتنا أبي بكر, وعمر, وعلي بن أبي طالب , والعباس بن عبد المطلب، وولده الفضل بن العباس ، وجعفر بن الحارث, وربيعة بن الحارث, وأسامة بن زيد, وأيمن بن عبيد, وقلة أخرى من الأصحاب . وكان هناك سيدة أخذت مكاناً عالياً بين الرجال والأبطال..تلك هي السيدة أم سليم بنت ملحان..رأت ذهول المسلمين وارتباكهم, فركبت جمل زوجها سيدنا أبي طلحة رضي الله عنهما, وهرولت بها نحو الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولما تحرك جنينها في بطنها- وكانت حاملاً - ، خلعت بردتها وشدّت بها على بطنها في حزام وثيق, ولما انتهت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاهرة خنجراً في يمينها ابتسم لها الرسول وقال:" أم سليم ! " ، قالت: " نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله..أقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك, كما تقتل الذين يقاتلونك, فإنهم لذلك أهل"..
وازدادت البسمة ألقاً على وجه الرسول - صلوات ربي وسلامه عليه - الواثق بوعد ربه وقال لها :
"
إن الله قد كفى وأحسن يا أم سليم "
هناك ورسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف, كان سيدنا العباس إلى جواره, بل كان بين قدميه بخطام بغلته يتحدى الموت والخطر..وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصرخ في الناس, وكان سيدنا العباس جسيماً جهوري الصوت, فراح ينادي:
"
يا معشر الأنصار..يا أصحاب البيعة"...
وكأنما كان صوته داعي القدر ونذيره..فما كاد يقرع أسماع المرتاعين من هول المفاجأة, المشتتين في جنبات الوادي, حتى أجابوا في صوت واحد:
" لبّيك.. لبّيك"..
وانقلبوا راجعين كالإعصار, حتى أن أحدهم ليحرن بعيره أو فرسه, فيقتحم عنها ويترجل, حاملاً درعه وسيفه وقوسه, ميمماً صوب صوت العباس .

ودارت المعركة من جديد.. ضارية, عاتية ..وصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الآن حمي الوطيس"..وحمي الوطيس حقا..وتدحرج قتلى هوزان وثقيف, وغلبت خيل الله خيل اللات, وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين .

وأنجب سيدنا العباس ذريّة مباركة، كان حبر الأمة سيدنا عبدالله بن عباس واحداً من هؤلاء الأبناء المباركين.

***


وفي يوم الجمعة لأربع عشرة سنة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين سمع أهل العوالي بالمدينة منادياً ينادي :
"
رحم الله من شهد العباس بن عبد المطلب".
فأدركوا أن سيدنا العباس قد مات.وخرج الناس لتشييعه في أعداد هائلة لم تعهد المدينة مثلها ، وصلى عليه خليفة المسلمين يومئذ عثمان رضي الله عنه.وتحت ثرى البقيع هدأ جثمان أبي الفضل واستراح..ونام قرير العين, بين الأبرار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه .
Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com
Body
Background Color
Top
Background Color
Text Color
Link Color
Background Image
Bottom
Background Color
Text Color
Link Color