// // //
الأضرحة والقباب في ميزان الشرع "تأصيل وتعقيب"
Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.com

الأضرحة والقباب في ميزان الشرع "تأصيل وتعقيب"

PDFطباعةأرسل إلى صديق

 

الحمد لله الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله النبي الأكرم .
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه *** فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ****فيه العفاف وفيه الجود والكرم
يقول الله تعالى : ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) .
إن الداعي لكتابة هذا المقال هو إثبات الحق ودحض الباطل ودرء الفتنة ، لا سيما من أنصاف المتعلمين الذين يضعون النصوص في غير محلها ، حيث مشكلة المجتمع الآن ليست في النصوص وإنما في فهمها ، وقد قال سيدنا عبد الله بن عمر : ( الخوارج شرار الخلق انطلقوا إلى آيات أنزلها الله على المشركين فجعلوها على المسلمين ) ، والتأصيل الذي أنشده في مسألة الأضرحة والقباب مستمد من الأدلة الأربعة المجمع عليها وهي الكتاب والسنة والقياس والإجماع ، أما الدليل من الكتاب فقوله تعالى في قصة أصحاب الكهف :
( فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ) ، والذين غلبوا على أمرهم الواردة هنا في الآية هم أهل الإيمان الذين يبنون المساجد ويعمرونها ، أما الكافرون فقالوا ابنوا عليهم بنيانا , ونحيل القارئ الكريم للنظر في تفسير الكشاف للزمحشري ومعالم التنزيل للبغوي وغرائب القرآن للنيسابوري فكلهم يقولون بجواز بناء المشاهد على قبور الصالحين .
والدليل من السنة دفنه صلى الله عليه وسلم في حجرة السيدة عائشة ومعه الشيخين ( أبي بكر وعمر ) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض ) وهو صحيح الإسناد كما في موطأ الإمام مالك . ودعوى أن الدفن و البناء من خصوصياته دعوى من غير دليل ولا مستند , ولو كان الدفن خاص به صلى الله عليه وسلم به لما دفن الشيخان معه بحضور الصحابة وإجماعهم ، ولما رأت السيدة عائشة رؤيا منامية كأن في حجرتها ثلاثة أقمار وقصَّت ذلك علي أبيها فقال : ( ليدفنن في بيتك خير أهل الأرض ، فلما قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفن في بيتها قال يا عائشة هذا أحد أقمارك ) أخرجه الحاكم , وقال صحيح على شرط الشيخين . ولا فرق بين أن يوجد البناء بعد الدفن أو قبله لأن الغاية واحدة وهي وجود القبر داخل البناء ولا فرق بين أن يكون البناء بيتاً أو قبةً . أما البيت فقد دفن الرسول صلى الله عليه وسلم في حجرة السيدة عائشة وأماالقبة فهي موجودة إلي يومنا هذا وهي خضراء اللون لمن لم يراها (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) (46) ، كما أن في المسجد الحرام جمع من الأنبياء والصالحين مدفونون لمن لا يعرف ذلك ومنهم سيدنا إسماعيل وأمه هاجر ، وفي مسجد الخيف كذلك سبعون نبياً كما جاء في معجم الطبراني وهو صحيح الإسناد . ولما مات سيدنا عثمان بن مظعون وضع النبي صلى الله عليه وسلم على قبره صخرة عظيمة وقال : ( أُعلِّم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهله ) وهو صحيح الإسناد . إذاً هذا تأسيس لوضع العلامة على القبر وتشريع لها وللمحافظة على القبر لا سيما قبور الصالحين ولا فرق بين أن تكون صخرة أو غيرها .
وانعقد الإجماع على دفن النبي صلى الله عليه وسلم في بيت السيدة عائشة . وأجمع من بقي من الصحابة والتابعين على إدخال قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه في المسجد وكان ذلك بإشراف الخليفة الراشد سيدنا عمر بن عبد العزيز ، وهذا الأمر نجده مؤصل في فقه الأئمة الأربعة وفقاً لم يأتي :
1/ أفتى القدوري من الأحناف بجواز البناء على مشاهد الصالحين وأنها لا تهدم حتى إذا كانت في الأرض الموقوفة وأما الدفن والبناء في الأرض المملوكة فالجواز مطلقاً .
2/ وقال العز بن عبد السلام سلطان العلماء من المالكية يجوز بناء القباب على قبور الصالحين مثل الإمام الشافعي وقبته التي بناها القائد الصالح صلاح الدين الأيوبي .
3/ وجاء في شرح الخطيب على متن أبي شجاع في فقه الشافعية جواز البناء حول القبر بلا كراهة لمن ترجى بركته من الأنبياء والصالحين . راجع بذل المجهود .
4/ وقال بن مفلح من الحنابلة ( القبة والبيت والحوش حول القبر إن كان في ملكه فعل ما شاء وأن كان في أرض موقوفة كره للتضييق على الآخرين ) . هذا هو ما جاء في الكتاب والسنة والإجماع وفقه المذاهب الأربعة في مسألة الأضرحة والقباب .
والقائلون بالمنع يستدلون ببعض الأحاديث ولا يفهمون معناها ، ومن ذلك قوله صلى الله علية وسلم : ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) وهو في الصحيحين . وهذا الحديث لا علاقة له بالبناء حول القبر أو الأضرحة لا من قريب أو بعيد كما فهم بعض الجهلاء ، لأن المراد بمساجد أي مكان السجود حيث كانوا يسجدون لها من دون الله , والاتخاذ الموجب للعن هو السجود لها على وجه تعظيمها وعبادتها كما يسجد المشركون للأصنام ، وبحمد الله لا يوجد ذلك في أرض الإسلام ، حيث قال صلى الله عليه وسلم ( اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد ) وقد استجاب الله لدعائه ، أما المراد بتسوية القبر فهو أن يرفع مقدار شبر كما قال أهل العلم , وهو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم لسيدنا علي : ( ولا قبر إلا سويته ) ، والنهي الوارد هنا هو في البناء على القبر أي لا يوضع أو يبنى عليه شيء ، أما البناء حول القبر فجائز ولا شيء فيه , والفرق شاسع بين البناء على القبر والبناء من حوله .
وأما التعقيب فهو على عمود الأستاذ مكي المغربي المسمى ( نهاركم سعيد ) بصحيفة السوداني الصادرة بتاريخ الثلاثاء 14 فبراير 2012م بعنوان : ( المسألة السلفية ) . فيا أستاذ مكي أود أن أذكرك أولاً : بقوله تعالى : ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) ، وأنت المنسوب إلى هيئة علماء السودان إذ من المفترض أن يكون حديثك في مثل هذه المسائل عن علم وتأصيل ، وإذا كنت معجباً بالجماعات السلفية فالإعجاب شيء والدين شيء آخر ، وما أكثر الإعجاب بالباطل في زماننا هذا ، وأنت تدعي في عمودك بأن السلفيين لهم 2500 مسجداً من ضمن 4000 مسجد داخل ولاية الخرطوم وأنهم يزيدون ولا ينقصون , وهذا قول يكذبه الواقع ويجب أن تدعمه بالوثائق والمستندات الرسمية ، ونحن بحكم عملنا الدعوي داخل هذه الولاية بمحلياتها السبع نقول إن مساجدهم لا تزيد على المائة . والشيخ الطيب ود السائح لوحده بنى ما يربو على المائة مسجد , وبعض هذه المساجد تغول عليها الوهابية وانتزعوها من أهلها خفية مستغلين اللائحة المجحفة لتنظيم عمل المساجد , وعما قريب سترد هذه المساجد لأهلها إن شاء الله تعالى ، وهذه الفئة أتباعها ينقصون ولا يزيدون والحمد لله لأن دعوتهم منفرة وأسلوبهم فظ وطرحهم غامض لا وضوح فيه على عكس ما تدعي .
وما من كاتب إلا سيبلى ويفني الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه
وفي مقال آتٍ إن شاء الله سأتحدث عن استحباب الصلاة في المساجد التي بها قبور وأضرحة ، وحكم زيارتها في ميزان الشرع ، وكل من له رأي سالب في الأضرحة والقباب ندعوه إلى المناظرة أو الحوار الهادف البناء أمام الرأي العام والإعلام , أما هدمها وحرقها فليس من الدين ولا صلة له به , حتى إن كانت هذه القباب والأضرحة لليهود والنصارى ناهيك أن تكون للأنبياء والصالحين وحسبي الله ونعم الوكيل .

 

 

الشيخ الدكتور صلاح الدين الخنجر

المجلس الأعلى للتصوف

جمعية الإمام الأشعري

 

Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com
Body
Background Color
Top
Background Color
Text Color
Link Color
Background Image
Bottom
Background Color
Text Color
Link Color