// // //
دقة قلب
Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.com

دقة قلب

أرسل إلى صديق

دقة قلب

 

تمر على الفتاة لحظاتٌ تشعر فيها بمشقة الأمر على نفسها، فهي تريد أن يكون لها ما تأمله كل فتاة بحسب فطرتها، تريد أن يكون لها الزوج الصالح الذي تفرح به، وتأنس به، وتسقيه من حبها وحنانها، وكذلك يغدق عليها من عطفه وحنانه ورحمته، فتشعر حينئذ بنفسها، تشعر أنها في مملكتها الصغيرة، في بيتها ترتبه بيديها، وتضع أغراضه في الأماكن التي تريدها.إن هذه المعاني تهتف بقوة في نفس أي فتاةٍ صاحبة فطرة سوية، فربما جاءك الهم أختاه أحياناً من هذا التفكير ومن هذا الشعور.أتجلسين أحياناً وكأنك تعدين الأيام تلو الأيام... وترين السنوات تمر كذلك، و تشفقين على نفسك من تأخر زواجك؟

هذه فطرةٌ لا يمكن إلغاؤها، ولا يمكن الإعراض عنها، لأنها مركوزةٌ في نفس كل إنسان.

ولكن دعونا نقف على باب الله  عزوجل و باب طب القلوب و دوائها صلى الله عليه وسلم، نعرض أحوال قلوب الشباب ، وقد حزنت القلوب وتعذبت النفوس. ولنسأل ماذا نفعل حتى لا يتخطفها الشيطان ؟

إن ما نراه وما نسمع به ونعيشه أو نتعايشه مع الآخرين يدفعنا إلى أن نفكر مليّا في أحوالنا...أن نتدبرها.فالله خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، وسيدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه يريد لنا طهارة القلوب ...يريد إغلاق الباب على وساوس الشيطان...يريد للإنسان الذي مال قلبه لآخر أن يهدأ بالاً ليسعد بدينه ودنياه. والموضوع باختصار هو أخلاق قبل أن يكون مشاعر.

إن قضية الزواج من القضايا التي تتعلق بالقدر، ونحن نعلم أن الإيمان بالقضاء والقدر هو أحد أركان الإيمان الستة، إذ أن سيدنا صلى الله عليه وسلم قال: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ". فالقدر هو ما قدره الله تبارك وتعالى، ولقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا بقوله: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال :وعرشه على الماء" فقبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة قدر الله مقادير كل المخلوقات، ومن هذه المقادير الأرزاق، والأرزاق كما تعلمين معناها واسع ، فالأموال من الأرزاق، والأولاد من الأرزاق، والصحة أيضًا من الأرزاق، والجمال كذلك من الأرزاق، وكذا الأخلاق ، والعلم والتعليم والتعلم ، وكذلك الأزواج ...  كل ذلك من الأرزاق.

و الله تبارك وتعالى قدر لكل إنسانة الرجل الذي سوف يرتبط بها، وأحيانًا قد تتزوج المرأة بأكثر من رجل يكون هذا أيضا قد قدره الله قبل خلق السموات والأرض.وأحيانًا قد يتزوج الرجل بأكثر من امرأة ، وقد تتزوج الفتاة في سن مبكرة، وأحيانًا قد تتأخر، وأحيانًا قد يتقدم لها أكثر من خاطب، إلا أنها لا توفق مع أي منهم . ثم يأتيها إنسان بعيد عن تصورها تمامًا، قد يكون ليس من منطقتها بالكلية، بل قد يكون غريبًا عنها من حيث النسب ومن حيث الأصل، ولكن الله تبارك وتعالى شاء في تقديره القديم أن يكون هذا هو زوجها.

إن هذه المسألة تجعلنا في حالة من الاطمئنان الكبير، لأن الذي قدره الله هو كائن لا محالة، فلا يتحرك متحرك إلا بأمره، ولا يسكن ساكن إلا بأمره، والله تبارك وتعالى يقول: " تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ".

عزيزتي: هذا الكون الكبير الهائل الذي علمنا منه أشياء وغابت منه عنا أشياء أكثر وأكثر ،كله مملوك لله تبارك وتعالى، مخلوق له جل جلاله ، سبحانه وحده المتصرف فيه، القادر على إدارة أموره وشؤونه صغيرها وكبيرها، سرها وعلانيتها، المحسوس منها وغير المحسوس. ولا يقع في ملك الله إلا ما أراد الله.
فأنت معذورةٌ فيما ينالك من هذا الهم وهذا الحزن، ولا لوم عليك فيه، ولا يُعد هذا بحمد الله عز وجل اعتراضاً على قدر الله، ولا يُعد كذلك جزعاً وعدم صبرٍ وعدم تسليم، بل إنك بحمد الله عز وجل مسلمةً أمرك إلى الله وتحمدينه على نعمه، حتى في هذا الحال الذي تشعرين فيه بمشقة، فأنت كذلك تنطقين بكلمات الحمد والثناء على الله جل وعلا والتسليم لحكمه العظيم، ولكن: ماذا يصنع الإنسان بنفسه التي لا بد أن ينالها شيءٌ من أعراض الدنيا من همٍ وحزن؟ فهذا لا إمكان لدفعه، ولذلك قال صلوات الله وسلامه عليه: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه".
إذاً فهو تكفير للسيئات ورفعة للدرجات بإذن الله عز وجل، فقد قال صلوات الله وسلامه عليه: "من يرد الله به خيراً يصب منه" أخرجه البخاري في صحيحه، وقال  أيضا صلوات ربي وسلامه عليه: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط"رواه الترمذي في سننه.
فإن قلت: فهذا التفكير الذي يشغل بالي ويقلقني ويشعرني بالغصة في حلقي فلا أعيش حياتي سعيدةً كما أريد وإن شاركت في الضحك مع شقيقاتي ومع أخواتي في الله... لا أجد أنني أضحك تلك الضحكة الصافية من قلبي ؟

فالجواب: إن هذا عينه الذي تقدم هو دواء هذا التفكير، إنه أن تحولي تفكيرك إلى احتساب الصبر عند الله جل وعلا " إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ "، إنه أن تنظري إلى عظيم الفضل الذي ينالك بصبرك وحسن ثباتك على دين الله جل وعلا، فهذا هو الذي لا بد أن يكون للإنسان. و ليس أحدٌ إلا وهو يحزن ويفرح ولكن من جعل المصيبة صبراً وجعل الخير شكراً  فهذه هي الخصلة الكاملة التي تعينك على ضبط هذا التفكير، قال الله تعالى: " مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ*لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ" فأخبر جل وعلا أن كل ما يصيب الإنسان من أمور الدنيا ومن ابتلاءاتها فكله بقدره العظيم، وهذا النظر هو الذي يدفع عن الإنسان الهم والغم على الحقيقة ، عندما يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. فتقر نفسه، ويعلم أنه في حفظ الله جل وعلا، فإن الله جل وعلا حافظٌ عباده المؤمنين، قال الله تعالى: " وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ " ولذلك أخرج الترمذي في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة " ، أضيفي إلى ذلك التيقظ إلى الفكرة نفسها فعندما ترد على نفسك فلا تتشاغلي بها ، ولا تسترسلي فيها، بمعنى ألا تبقي جالسةً قد وضعت يدك على خدك مثلاً، ثم تسرحي في حالك وما أنت عليه، وفي أمر تأخر زواجك إلى هذا الوقت وغير ذلك من الأفكار التي تداهمك، ثم يأتيك بعد ذلك الخوف من التعنيس وهل سأبقى على هذا الحال؟... نعم ، قد ترد على الإنسان ، ولكن لا بد من عدم المضي في هذه الأفكار حتى لا تنقلب حزناً وهماً وكآبةً.
فهذا نوعٌ من التهويل الذي يلقيه الشيطان " لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ " فادفعي ذلك بحسن توكلك على الله جل وعلا وحسن رجائك، ومتى شعرت بمثل هذا الشعور فافزعي إلى ربك، ارفعي يديك إليه، واسأليه من فضله، كما قال صلوات الله وسلامه عليه: " إن ربكم تبارك وتعالى حيٌ كريم يستحي إذا رفع العبد يديه إليه أن يردهما صفراً " أخرجه الترمذي في سننه.

تشاغلي عن هذا التفكير بالأعمال العملية فهي أحد الأساليب لمضادة التفكير الذي يحزن الإنسان ، اشغلي نفسك بما يعود عليك بالخير والفضل، فإن فيه تسليةً ومتعةً إلى جانب الفائدة التي تجنيها ، و هو إعداد لنفسك لتصبحي إنسانة ناجحة بإذن الله.
ومن هذا أيضاً المشاركة في ذكر الله ، وتحصيل العلم النافع، وفي حفظ كتاب الله عز وجل، فهذا وإن كان عملاً ظاهراً، إلا أن له تأثيراً باطناً أيضاً، فإن انشغال النفس بهذه الأمور يوجب إشغالها عن التفكير بالأحزان والهموم التي لا طائل من التفكير فيها، بل مضرتها ظاهرة فإن الحزن له مضرةٌ على النفس وربما أدى إلى بعض الإحباط الذي قد يوصل الإنسان إلى قدر ٍمن الكآبة، فابذلي جهدك في ذلك، وتوكلي على الله جل وعلا، وأنزلي حوائجك به، قال تعالى: " وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ".

وإن قلت : فيما يتعلق باحتمال الحسد أو العين أو السحر، فهذا لا ننفيه ، ولكنه أيضًا بقدر الله تعالى، لأن الحاسد أو العائن لا يؤثر بنفسه، وإنما إن شاء الله تعالى أن يجعل عينه مؤثرة ، أثرت، كذلك الساحر أيضًا لا يؤثر وحده بقدرة ذاتية فيه وإنما إن شاء الله تعالى أن يجعل سحره سببًا كان كذلك، وجميعهم لا يملكون من الأمر شيئا ولذلك قال الله تعالى: " وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ".

أما موضوع أن هناك أحدا يقطع النصيب، ليس هناك شيء يقطع النصيب، لأن النصيب هذا معناه الرزق، والرزق في السماء ولا يعلمه أحد، الرزق هذا بيد الله وحده، فالله - تبارك وتعالى – وضع لكل إنسان خزانة فيها رزقه، ولذلك ينزل لك الرزق بتقدير الله تعالى، إذا كان قد قدره الله لك فلن يعوقه أحد أبدًا، وإذا كان لم يقدره الله لك فلن يكون من نصيبك مطلقًا،  فكل الذي يحدث الآن أو سيحدث إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار كلٌ مقدر ، ومكتوب معلوم، فالشاب الذي قدره الله لك سوف يكون من نصيبك قطعا.

واعلمي أن الله جل جلاله لا يضيع أهله ولا يكل نصرتهم لأحد سواه، فأبشري بمعية الله لك وحبه لك ونصرته لك في الدنيا والآخرة، ولكن أهم شيء أن تظلي على طاعته وأن تجتهدي في كسب رضاه، ودعي الأمور كلها له فهو يعلم ما الذي يناسبك وما الذي لا يناسبك، فاجتهدي في معالجة نفسك من تلك الآلام ، ففي الوقت المناسب سوف يتقدم إليك الشخص المناسب، فلا تشغلي بالك بقضية الجمال أو كثرة العلاقات الاجتماعية فهذه كلها أسباب فقط، وأولياء الله يبحثون عن الصالحات القانتات حتى ولو كان الجمال متواضعاً جداً؛ لأن جمال الجسد لا قيمة له إذا انعدمت الأخلاق والقيم وضاع الدين، فأنت عندك أغلى كنز وأعظم كنز وهو الدين والخلق، وفي الوقت الذي حدده الله سوف يأتيك من يطرق بابكم ويطلب يدك دون أي تدخل من أحد؛والنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فالأرزاق على الله، والأعمال على العباد وهذا هو دوري ودورك.
فقومي بالواجب عليك ودعي ما على الله لله، فهو يتولاه بعلمه وحكمته وقدرته وإرادته، وما عليك إلا مواصلة الطاعة والاستقامة ، وأبشري بفرج من الله قريب، واعلمي أن مولاك لا يضيع أهله فكوني من أهله. لا تحددي شخصاً بعينه لاحتمال ألا يكون مناسباً لك، لأنك لا تعلمين الغيب، ولا تدرين هل يناسبك أم لا
واتركي الأمر لله يتخير لك ما يصلحك ويصلح لك من الرجال . وتذكري أنك فتاة، والفتاة درة مصونة، يطلبها الخاطب من أهلها، كما جاء في الشرع.

نسأل الله عز وجل أن يفيض على قلوبنا من بركاته ورحماته.

Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com
Body
Background Color
Top
Background Color
Text Color
Link Color
Background Image
Bottom
Background Color
Text Color
Link Color