// // //
حقيقة الحب
Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.com

حقيقة الحب

أرسل إلى صديق

حقيقة الحب

 

يقولون :
ينبغي لكل من أرادا الزواج ، أن يكونا متحابين قبل الزواج ، ويقيما علاقة تعارف – و لا أعني الخطبة هنا بتاتاً ، و التي هي بدورها علاقة ذات ضوابط – حتى يتمكن كل طرف منهما من دراسة الآخر ، فيرى هل يناسبه في طبائعه وأحواله وصفاته ، أم لا ؟ ؛ لأنه إن لم يكن بينهما جسور قوية من المحبة والانسجام ، والتوافق في الطبائع والصفات ، فكيف يمكن لهما أن يتعايشا ؟

كلام أخاذ في ظاهره و أصبح له قبول في أوساط مجتمعات الشباب ، و تقليعة رائجة  هذه الأيام ، لما طرأ على حياتنا من تغيير ملاحظ نتيجة الغزو الفكري الذي نعايشه ، مع تقبل عجيب للأفكار المستوردة التي تصورها الأفلام والمسلسلات الغربية وعلى إثرها العربية ، عن حب الرجال والنساء و بأنه سلوك لا يخضع للمنطق أو التعقل و لا حتى للسلوك الإرادي ، و أنه لا يمكن صرف الحب أو طرده عن القلب لذا فلا داع لمحاولات التغلب عليه أو تفاديه أو الهروب منه ، فكل ما عليكِ أن تتبعي قلبكِ !

ولكن إذا دققنا النظر في هذا الفكر وجدنا مجانبة للحق والصواب ، و إطالة لطريق لا يأمل سوى المحب سليم القلب أن تقصر مسافته ؛ فالمحبة هي ميل وأنس وإعجاب ، وهي مشاعر موجودة بين الجنسين فطرياً ، فالشاب قد يجد ميلاً قلبيًا تجاه فتاة معينة وكذلك الفتاة ، ومُبادَلة الميل القلبيّ لا يستطيع أحدٌ أن يحكم عليه بالحُرمة إلاّ إذا أصبح طريقًا لعبث تتحطم معه كرامة الشابة وأنوثتها أيضًا ، قبل كَرامة الشاب ومسؤوليته ، ومستقبله.
و ديننا هو دين الفطرة ودين الرحمة ودين المحبة ، بل هو مكمل لهذه المودة ولهذه المحبة فإنه لا يبيحها فقط، بل ويرتب عليها الأجر العظيم والثواب الجزيل ، و لكن متى ؟؟؟

إن سلكت العلاقة مسلكها الواضح السليم و لا مسلك ملائم لها إلا مسلك واحد !.. إنه الزواج.. نعم الزواج الذي تنطلق فيه هذه المشاعر انطلاقتها الرحيبة الفسيحة ، حيث الرحمة الندية والحنان الدافئ .

فالتصريح مبكراً بهذا الميل بحجة ( دراسة الطرف الآخر )، هو سير في طرق محظورة ووهم وخيال ينبغي الابتعاد عنه ،ففي إباحته تعريض لانتهاك أعراض الناس ويدرك حقيقة هذا الأمر من يتابع الواقع الذي نعيشه .
فلا فائدة حقيقية من التصريح بهذا الحب مادام الزواج ما زال في علم الغيب ، فلا أحد يعلم ما ستأتي به الأقدار ، فلو قلنا جدلاً أنه لو أخبرها فإنها ستنتظره ، فالأولى أن يتقدم لخطبتها إن كان صادقاً ، فيكون عندها الانتظار شرعياً .
ثم إن هذه العلاقة مهما طالت و تطورت ، فإنها لا تبين حقيقة كل من الطرفين للآخر لأن كل طرف يسعى لإظهار أفضل وأجمل ما عنده للآخر ، وهذا لا يصور طبيعة كل منهما الحقيقية في أغلب الأحيان .
فأصبحنا نرى الكثير في غفلة عن ذلك كله ، شباب وفتيات يسيرون فى الطريق بلا هدى ، يلهثون خلف سراب الحب و فردوس السعادة ، ثم تتبدد الأحلام بمجرد ملامستها لأرض الواقع و مسؤوليات الحياة ، و يهدر الوقت و الطاقة النفسية والعقلية في التفكير في ذلك الوهم ؛ مما يؤثر لاشك على مسيرة حياتهم.

فهل كل هذا لغياب القدوة ؟ ولكن كيف ونحن مسلمون نقتدى بالرسول صلى الله عليه وسلم ؟!

إن السبب في ذلك يرجع للبعد عن الله عز وجل والبعد عن القدوة الحسنة و ضعف تذوقنا و إدراكنا لمعاني ديننا .
فحكمة الله جل جلاله ، اقتضت خلق الأرض وإرادة إعمارها  بجعل الإنسان خليفة فيها ، وقد قرر الله عز وجل حقيقة هذه العلاقة بين الجنسين في مواطن عديدة في القرآن الكريم ، فالسكن والاستقرار والراحة يكون بالتقاء الجنسين.قال تعالى : " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ " 1
و لكن هناك حدوداً سنتها الشريعة في المعاملة بين الشاب و الفتاة ووردت في سنة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، وعلينا أن نتبعها ونلقنها لأبنائنا من بعدنا ، ففي ذلك صلاح لأحوالنا ولأحوال الأمة كلها ، فلو أننا تركنا العلاقة بين الشاب و الفتاة بغير التمسك بحدود الله فيها ، لأدى ذلك لانهيار البناء الأخلاقي للأمة الإسلامية بأسرها . والإسلام لم يحرم وجود علاقة بين الشاب و الفتاة وإنما جاء منسقاً لها فلم يتشدد ولم يتراخ وإنما توسط الأمرين لما في ذلك من خير . وديننا دين السماحة والحب ، وما نعنيه الحب الطاهر الذى لا تشوبه شبهة ولا يخلف وراءه ذنب . وأعظم الحب ، حب الله ويظهر في تقواه ، وبألا تحب أحداً أكثر من حبك لله سبحانه وتعالى و بالتالي لا يصبح للهوى سلطان عليك في جميع معاملاتك " وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ " 2

والله سبحانه وتعالى رسم للإنسان منهجاً يسير عليه ، وقد قال الله تعالى: " يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ "، فاليسر في اتباع شرع الله ، والعسر في مخالفة أمره ونهيه . فشرع سبحانه و تعالى الاستخارة و علمها خير البرية صلوات ربي و سلامه عليه لأصحابه حتى في أهون الأمور ، فمن غيره علام الغيوب أخبر بعباده " وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ " 3 ،فلم يُترك الأمر للإطالة وتبادل الخطابات والمكالمات بزعم التعرف على الشخصيات ،فإن هذا منهي عنه شرعًا ، وإنما يتوج بتقدم الشاب لأهل الفتاة لخطبتها ، فمن أرادك فها هو بيت أهلك يسع الكرام أصحاب الدين وأصحاب الخلق، فهذا هو عربون الصدق ودليل النية الصالحة. فإن تمت الموافقة ، فهذا فضل من الله ونعمة ، وإن لم تتم ، التزم كل من الشاب والفتاة الآداب الشرعية ، وقطع كل منهما صلته بالآخر ، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً ، فإن الغيب لله لا يعلمه إلا هو.
والحياة الزوجية السعيدة لراغبها أحوج ما تكون للدين كما أرشد الحبيب صلى الله عليه وسلم : " إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها فعليك بذات الدين تربت يداك " .ودعا الله كلاً من الرجل والمرأة إلى الاتصاف بالخصال الطيبة والآداب الفاضلة ، وأمر المرأة بالحجاب والاحتشام شكلاً و سلوكاً وقولاً . والتصريح لغير الزوج بعبارات الحب يعد خضوعاً بالقول وهذا أمر محرم ورد نص صريح فى تحريمه :" فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا "4 .
فحاذري من أن تقعي في ذنب وأنت لا تشعرين ، فعندما تقولي عبارات الحب والغرام لشاب مثلك في خلوة أو حتى في غير ذلك فإنك بذلك القول قد حركتي مشاعره وغريزته ورغبته المكبوتة عنده وكل ذلك في غير موضعه الصحيح ،كذلك إذا فعل هو معك الشيء نفسه ودنا منك بقوله المفعم بالكلمات الرقيقة المحركة للرغبة والمشاعر ، كان بذلك يدفعك إلى ارتكاب ذنب ومعصية ومن كان منكم يظن نفسه أقدر على التحكم في رغبته وشهوته من غيره فالأحرى به أن يؤجل هذا القول إلى أن يعجل الله بزواجه ، وأن تتقوا الشبهات فهو خير لكم .
و الاندفاع العاطفي يعمي عن رؤية العيوب ومواجهتها، ويوهم الشاب والفتاة أن الحب يصنع المعجزات، أنه رحلة سعادة لا نهائية ، تخلو من المشاكل .

وأخيراً صدق المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال :"  كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة : العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناه الكلام ، واليد زناها البطش ، والرجل زناها الخطا ، والقلب يهوى ويتمنى ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه " .

فلنعد حساباتنا إذاً ، فالمستقبل بيده سبحانه وتعالى فلنتطعه حاضراً يسعدنا مستقبلاً .

الهامش :

1-     سورة الروم :21

2-     سورة البقرة :165

3-     سورة الملك : 13-14

4-     سورة الأحزاب : 32

Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com
Body
Background Color
Top
Background Color
Text Color
Link Color
Background Image
Bottom
Background Color
Text Color
Link Color