// // //
الطاهرة
Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.com

الطاهرة

أرسل إلى صديق

الطاهرة

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " خير نسائها مريم بنت عمران ، وخير نسائها خديجة بنت خويلد " .

حكايتنا اليوم هي عن المصطفاة من بني إسرائيل ، السيدة مريم ابنة عمران عليها السلام من سلالة داؤود عليه السلام . كانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل اصطفاها الله و اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها وطهارتها من الأكدار والوساوس ، واصطفاها ثانياً مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين .

نشأتها :

يروى أن أمها وهي حنة بنت فاقوذ كانت امرأة لا تحمل ، فرأت يوماً طائراً يرزق فرخه ، فاشتهت الولد ، فدعت الله تعالى أن يهبها ولداً ، و استجاب الله دعاءها ، فواقعها زوجها ، وحملت منه . فلما تحقق الحمل ، نذرت أن يكون خالصاً مفرغاً للعبادة ولخدمة بيت المقدس ، وكانوا يتقربون بذلك . ولم تكن تعلم ما في بطنها : أذكراً أم أنثى ؟ فلما وضعتها -  والله أعلم بما وضعت -  قالت : رب إني وضعتها أنثى  وليس الذكر كالأنثى في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى . و سمتها مريم . و فيه دليل على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق لأنه شرع من قبلنا . ثم خرجت بمريم تحملها في خرقها إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى عليهما السلام - وهم يومئذ يلون في بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة - فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة ، فإني حررتها، وهي أنثى ، ولا يدخل الكنيسة حائض ، وأنا لا أردها إلى بيتي . فقالوا : هذه ابنة إمامنا وصاحب قرباننا - وكان عمران يؤمهم في الصلاة -  فقال سيدنا زكريا : ادفعوها لي فإن خالتها تحتي ، فقالوا : لا تطيب أنفسنا ، فاقترعوا عليها بأقلامهم التي يكتبون بها التوراة ، وذهبوا إلى نهر الأردن ، واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم فأيهم يثبت في جَرْيَة الماء فهو كافلها . فاحتمل الماء أقلامهم إلا قلم سيدنا زكريا فإنه ثبت ويقال إنه ذهب صاعداً يشق جرية الماء ، وكان مع ذلك كبيرهم وسيدهم وعالمهم وإمامهم ونبيهم ،صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين .

و تقبلها الله من أمها نذيرة ، وجعل لها شكلاً مليحاً ومنظراً بهيجاً ، ويسر لها أسباب القبول . وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم العلم والخير والدين ، فلهذا قال تعالى : { وكَفَلها زكريا }، أي جعله كافلاً لها. وما ذلك إلا أنها كانت يتيمة . وذكر أن بني إسرائيل أصابتهم سنة جدب ، فكفل سيدنا زكريا مريم لذلك ، ولا منافاة بين القولين والله أعلم .

وإنما قدر الله كون نبينا  زكريا كافلها لسعادتها ، لتقتبس منه علماً جماً نافعاً وعملاً صالحاً ، ولأنه كان زوج خالتها على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما ، وقيل: زوج أختها ، كما ورد في الصحيح « فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة » . فعلى هذا كانت في حضانة خالتها .

عباداتها و مجاهداتها :

نشأت المصطفاة في بني إسرائيل نشأة عظيمة ، فكانت إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالتبتل الدؤوب. و أخبر تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها فكلما دخل عليها سيدنا زكريا المحراب وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف . وقيل وجد عندها علماً . والأول أصح وفيه دلالة على كرامات الأولياء .

كانت عليها السلام تقوم حتى تتورم كعباها ، كما ركدت في محرابها راكعة وساجدة وقائمة حتى نزل الماء الأصفر في عينيها ، و كانت تغتسل في كل ليلة رضي الله عنها وأرضاها .

الكرب العظيم :

أخبر تعالى الملائكة أن يأمروها بكثرة العبادة والخشوع والركوع والسجود والدأب في العمل ؛ لما يريد الله بها من الأمر الذي قدره وقضاه مما فيه محنة لها ، ورفعة في الدارين . بما أظهر الله فيها من قدرته العظيمة . حيث خلق منها ولداً من غير أب .

ولما أراد الله تعالى - وله الحكمة والحجة البالغة- أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه السلام أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام ، اعتزلت أهلها وتنحت عنهم ، وذهبت إلى شرق المسجد المقدس.

وقيل مكاناً شرقياً شاسعاً منتحياً ، كما قيل : ذهبت بقلتها لتستقي الماء . وأيضا: اتخذت لها منزلاً تتعبد فيه ، فالله أعلم .

فاستترت منهم وتوارت ، فأرسل الله تعالى إليها جبريل عليه السلام فتبدى لها على صورة إنسان تام كامل. وهي في مكان منفرد وبينها وبين قومها حجاب ، فلما رأته خافته وظنت أنه يريدها على نفسها ، فقالت : إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تخاف الله -  تذكيراً له بالله - فخوفته أولاً بالله عز وجل ؛ فقد علمت أن التقي ذو نهية .

فأجابها الملك مزيلاً لما حصل عندها من الخوف على نفسها : لست ممن تظنين ولكني رسول ربك بعثني إليك. ويقال إنها لما ذكرت الرحمن انتفض سيدنا جبريل فرقاً وعاد إلى هيئته .

تعجبت السيدة مريم من كل  هذا ، فعلى أي صفة يوجد هذا الغلام منها، وليست بذات زوج ولا يتصور منها الفجور. فأخبرها الملك أن الله قد قال وإنه على ما يشاء قادر. فكان قدره علامة للناس على عظمة بارئهم وخالقهم الذي نوع في خلقهم ؛ فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى ، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى ، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى إلا  سيدنا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر. فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إله غيره ولا رب سواه .

أم المسيح عليهما السلام :

وكان أمراً مقضياً ، فالله قد عزم فليس من الأمر بد، و استسلمت السيدة مريم عليها السلام  لقضاء الله تعالى. عند ذلك نفخ سيدنا جبرائيل عليه السلام في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج وحملت بالولد بإذن الله تعالى . عندها ضاقت الطاهرة ذرعاً ولم تدر ماذا تقول للناس ؛ فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به غير أنها أفشت سرها وذكرت أمرها لأختها امرأة سيدنا زكريا ؛ وذلك أن سيدنا زكريا عليه السلام كان قد سأل الله الولد فأجيب إلى ذلك ، وحملت امرأته . فدخلت عليها السيدة مريم ، فقامت إليها فاعتنقتها وقالت : أشعرت يا مريم أني حبلى ؟ فقالت لها مريم: وهل علمت أيضاً أني حبلى ، وذكرت لها شأنها وما كان من خبرها ، وكانوا بيت إيمان وتصديق. ثم كانت امرأة سيدنا زكريا بعد ذلك إذا واجهت السيدة مريم تجد الذي في بطنها يسجد للذي في بطن السيدة مريم - أي يعظمه ويخضع له - فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعاً ، كما سجد لسيدنا يوسف أبواه وإخوته ، وكما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لاَدم عليه السلام ، ولكن حرم في ملتنا هذه تكميلاً لتعظيم جلال الرب تعالى .

قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين قال: بلغني أن عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام ابنا خالة ، وكان حملهما جميعاً معاً ، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك . قال مالك : أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام ، لأن الله جعله يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص .

ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى عليه السلام ، فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر. وقيل: ثمانية أشهر ، ولهذا لا يعيش ولد الثمانية أشهر.

و لما ظهرت مخايل الحمل على السيدة مريم عليها السلام كان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس يقال له يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطنها وكبره ، أنكر ذلك من أمرها ، ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها . و لكنه تأمل ما هي فيه ، فجعل أمرها يجوس في فكره لا يستطيع صرفه عن نفسه . فحمل نفسه على أن عرض لها في القول فقال : يا مريم إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي . قالت: وما هو ؟ قال : هل يكون قط شجر من غير حب ، وهل يكون زرع من غير بذر، وهل يكون ولد من غير أب ؟ فقالت: نعم . وفهمت ما أشار إليه .

فقالت : أما قولك: هل يكون شجر من غير حب وزرع من غير بذر، فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب ولا بذر. وهل يكون ولد من غير أب ؟ فإن الله تعالى قد خلق آدم من غير أب ولا أم . فصدقها وسلم لها حالها. ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة انتبذت منهم مكاناً قصياً لئلا تراهم ولا يروها.

قال ابن أبي حاتم: قالت مريم عليها السلام : كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني ، وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر.

فلما حملت به وملأت قلتها ورجعت ، استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب والتوحم وتغير اللون ، حتى فطر لسانها. فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا . وشاع الحديث في بني إسرائيل فقالوا : إنما صاحبها يوسف ولم يكن معها في الكنيسة غيره. وتوارت من الناس واتخذت من دونهم حجاباً ، فلا يراها أحد ولا تراه. وألجأها الطلق إلى جذع النخلة في المكان الذي تنحت إليه ، وقد اختلفوا فيه فقالوا : كان شرقي محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس . كما قيل : ذهبت هاربة ، فلما كانت بين الشام وبلاد مصر ضربها الطلق . وفي رواية أخرى : كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس في قرية هناك يقال لها بيت لحم ، وقد تقدم في أحاديث الإسراء من رواية النسائي عن أنس رضي الله عنه ، والبيهقي عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن ذلك ببيت لحم ،فا لله أعلم .وهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض .

فعرفت الطاهرة  أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد ، ولا يصدقونها في خبرها. وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية . فقالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس: ياليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه والحزن بولادتي المولود من غير بعل وكنت شيئاً لا يعرف ولا يذكر ولا يدرى من أنا . وناداها سيدنا جبريل من تحت الوادي قائلاً : لا تحزني . وامتن الله عليها بذلك بأن جعل عندها طعاماً وشراباً و أخبرها بأن كلي واشربي وطيبي نفساً ، و مهما رأيت من أحد فقولي إني نذرت للرحمن صمتا فلن أكلم اليوم إنسياً ، فإنها ستكفى أمرها ويقام بحجتها . فسلمت لله عز وجل أمرها واستسلمت لقضائه . فأخذت ولدها وأتت به قومها تحمله ، فلما رأوها كذلك أعظموا أمرها واستنكروه جداً ، وقالوا يا مريم لقد جئت أمراً عظيماً.

قال ابن أبي حاتم: وخرج قومها في طلبها ، قال : وكانت من أهل بيت نبوة وشرف فلم يحسوا منها شيئاً ، فلقوا راعي بقر فقالوا : رأيت فتاة كذا وكذا نعتها ؟ قال: لا ولكني رأيت الليلة من بقري مالم أره منها قط ، قالوا : وما رأيت ؟ قال: رأيتها الليلة تسجد نحو هذا الوادي .

قال عبد الله بن زياد: وأحفظ عن سيّار أنه قال: رأيت نوراً ساطعاً فتوجهوا حيث قال لهم فاستقبلتهم مريم ، فلما رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها فجاؤوا حتى قاموا عليها  وقالوا  : يا مريم لقد جئت شيئاً فريا ، و يا شبيهة هارون في العبادة أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح، فكيف صدر هذا منك ؟ قال علي بن أبي طلحة والسدي : قيل لها : يا أخت هارون ، أي أخا موسى ، وكانت من نسله . وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون ، فكانت تقاس به في الزهادة والعبادة . وحكى ابن جرير عن بعضهم أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم يقال له هارون.

و لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرية - و كانت يومها ذلك صائمة صامتة - أحالت الكلام عليه ، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه . فتهكموا بها و ظنوا أنها تزدريهم وتلعب بهم . فلما قالوا لها ما قالوا ، كان عليه السلام يرتضع ثديها ، فنزع الثدي من فمه واتكأ على جنبه الأيسر وقال :  " قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ـ إلى قوله ـ مَا دُمْتُ حَيًّا " وقال حماد بن سلمة عن ثابت البناني : رفع أصبعه السبابة فوق منكبه وهو يقول : " قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً " فقضى أنه يؤتيني الكتاب فيما قضى .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان عيسى بن مريم قد درس التوارة وأحكمها وهو في بطن أمه ، فذلك قوله: " قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً "، وجعلني معلماً للخير نفاعاً ، آمرا  بالمعروف وناهيا عن المنكر أينما كان .

وقوله: " وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا " ، عن مالك بن أنس قال: أخبره بما هو كائن من أمره إلى أن يموت، ما أبينها لأهل القدر. وأمرني ببر والدتي ، وقد ذكره بعد طاعة الله ربه . ولم يجعلني جباراً مستكبراً عن عبادته وطاعته وبر والدتي فأشقى بذلك .

وبذلك جاءت براءتها من الفاحشة .

قال قتادة: ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص ، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك ، وطوبى للثدي الذي أرضعت به .

سلام ربي على الطاهرة .

المصادر :

تفسير القرآن الكريم لابن كثير

Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com
Body
Background Color
Top
Background Color
Text Color
Link Color
Background Image
Bottom
Background Color
Text Color
Link Color