// // //
التطرف الديني واكتمال الصورة
Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.com

التطرف الديني واكتمال الصورة

PDFطباعةأرسل إلى صديق

متنوعات - مقالات

محمد الأنور الشيخ إدريس

تابعت برنامج ( حتى تكتمل الصورة ) والذي يقدمه الإعلامي المتميز والجريء الأستاذ الطاهر التوم بقناة النيل الأزرق، حيث كان موضوعه التطرف الديني بالسودان على خلفية إلقاء السلطات الأمنية القبض على مجموعة سلفية متطرفة بعد مداهمة معسكرها بمنطقة الدندر، وكان ضيوف البرنامج وزير الإرشاد والأوقاف الشيخ محمد مصطفى الياقوتي والصحفي مكي المغربي والدكتور محمد علي الجزولي، وقد استمعت إلى آراء المتحدثين جملة والذي كانوا في وجهة نظري يحومون حول الحقيقة الواقعية وهي أن كل هذا الذي يحدث هو ما كنا ولا زلنا نحذر منه وهو انتشار الفكر الوهابي في البلاد وتفشي الفتاوى العشوائية التي يطلقها المتشددون وتغريرهم بصغار السن الذي يجهلون مسائل الدين والفقه، ولكن لكل واحد من المتحدثين في البرنامج علته في هذا الالتفاف عن السبب الرئيسي للتطرف، فالسيد الوزير موقعه يمنعه الانحياز إلى طرف مقابل آخر باعتبار خلفيته الصوفية ولكن كان عليه توضيح خطة وزارته لمواجهة هذا الخطر، والأستاذ مكي المغربي معروف أنه سلفي حركة إسلامية ينتهج المنهج الوهابي وقد حافظ على أدائه المتزن نوعاً ما، أما الدكتور الجزولي فقد أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه المدافع الأول بالسودان عن فكر القاعدة وبن لادن وخليفته.

جميع المتحدثين لم يوفقوا في تحليل القضية ووضع حلول لها وكانوا حذرين في إصابة كبد الحقيقة رغم محاولات مقدم البرنامج لجرهم إلى الخوض المباشر في الموضوع، وقد برع في ذلك بالتأكيد الدكتور الجزولي الذي استخدم أسلوب المراوغة والتطويل والتعويم مقتدياً بأستاذ هذا الأسلوب الدكتور الترابي والذي أنا من أشد المعجبين بطريقة حديثه والمناوئين لفكره! لقد تحدث الجزولي حديثاً يُشتمُّ من ورائه التبرير لهؤلاء المتطرفين وتشجيعه لمسلكهم حيث وصف سلوكهم بأنه محمول على الاجتهاد خاصة في إقامة الجهاد وتكفير من خالفهم الرأي، واستند في ذلك للاختلاف بين الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل في حكم تارك الصلاة حيث يرى الإمام الشافعي بعدم كفره بينما يرى الإمام ابن حنبل بكفره، وهي مسألة تحتاج إلى نقاش مستفيض من العلماء وليست كما طرحها الجزولي هكذا واستند عليها، لأنه هنالك من الحنابلة من خالف إمامه في هذه المسألة، ولكن يبدو أن الجزولي لم يرَ في هذه القضية إلا ظاهر الخلاف ولم ينظر إلى أدب الاختلاف حيث لم يكفر أحد الإمامين الآخر، فلماذا لا يدعو الجزولي إلى الاقتداء بهذا الأدب وهو يدعي اتباع السلف؟ فهذه نظرة معيبة تماماً فيمن يفترض أنه مفكر كما ادعى، ولاحظت أن الجزولي قد وقع في فخ الآراء المتطرفة رغم محاولته المرواغة وأخذ يروج إلى فكر القاعدة بشكل مخجل ويمجِّد في زعيمها بن لادن عليه رحمة الله، وقد درج على هذا المنحى في كل محفل يتحدث فيه وهو هنا أي الجزولي يدعو إلى الفتنة والشقاق من حيث لا يدري رغم ما يدعيه من قيادته لتيار توحيد أهل القبلة، فكيف سيوحد أهل القبلة وهو يجد العذر والتبرير للمتطرفين الذين يقتلون من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

كما أنني لا أوافق الأستاذ مكي المغربي فيما ذهب إليه من انعقاد الجهاد بالاجتهاد لأن هذا الأمر سيدخلنا في فوضى عارمة حيث سيصبح اجتهاداً حسب الاعتقاد الشخصي، ومعلوم في الدين أن انعقاد الجهاد مسئولية الحاكم وليس متروكاً لكل من هبَّ ودبَّ وقد رأينا ما جره علينا هذا المذهب من فتن ومصائب، لأنه حتى الجماعات الصوفية المعروفة بالتسامح والوسطية يمكن أن تأخذ بهذا الفقه ويعلنون الجهاد كرد فعل طبيعي لللاعتداءات المتكررة على حرماتها في ظل غياب السلطة الأمنية مما سيدخل البلاد في فتنة دينية كبرى ( والبلد ما ناقصة ). إلا أن الأستاذ مكي المغربي طرح نقطة مهمة في حديثه ويجب علينا ألا نمر عليها مرور الكرام إذ أشار إلى أن هذا المعسكر قد لا يكون وحده بل ربما تكون هنالك معسكرات أخرى لم تكتشف، كما يحتمل أن يكون هذا المعسكر قد خرَّج دفعات قبلاً فيجب معرفة أين ذهب أولئك الشباب، وكلنا يعلم النشاط المكثف للتيار السلفي في الآونة الأخيرة في استقطاب الشباب وتغذيتهم بالفكر المتطرف ومن ثم إرسالهم إلى دولة مالي للاشتراك في الحرب هناك ! كما لابد من مساءلة والي سنار أحمد عباس عن هذا الأمر، لأن هذا الوالي معروف بتشدده وتبنيه للفكر الوهابي السلفي وقد اتهم من قِبَلِ علماء بهذ الاتهام من قبل، لأنه وحسب قرائن الأحوال قد مكَّن الجماعة الوهابية المتطرفة من التمدد والانتشار في ولايته والتي صارت من أكثر الولايات التي يعجُّ بها المتطرفون، وفي المقابل نجد أن هذا الوالي قد ضيق على الجماعات الصوفية كثيراً كما يقولون، بل ذهب إلى أكثر من ذلك حيث نزع عدة مجمعات صوفية ومنحها إلى الجماعة الوهابية والكل في الولاية يعرف ذلك، ولعل أبرزها مجمع الشيخ إدريس الإزيرق للدراسات الإسلامية والذي يشرف عليه العالم المعروف الشيخ محمد المنتصر وهو عالم معروف بمجاهداته وعطائه وله أتباع كثر منتشرون في تلك الولاية وقد كان من أبرز المشاركين في مؤتمر حوار دارفور، ومجمعهم المذكور له شهادة بحث ووضعوا حجر أساسه وشروعوا في بنائه ورغم ذلك نزع منهم وهناك قضية مرفوعة ضد الوالي الآن في هذا الصدد، وكان الشيخ المنتصر قد اتهم المهندس أحمد عباس صراحة بأنه (وهَّابي) في لقاء حاشد للصوفية بالعيلفون، وذكر الشيخ المنتصر أن الوالي قال له في مجمع من الناس إن الصوفية مشركون لأنهم يستخدمون الحجبات!! كما نزع أحمد عباس من قبل مجمعاً لخلفاء الشيخ التوم ود بانقا ومنحه لجهات وهابية، هذا إضافة للحادثة الشهيرة التي حدثت بولايته وهي مقتل الشيخ موسى الصابونابي طعناً على يد شاب متطرف، ثم محاولة حرق ضريح الشيخ عويس بالجبل، وكان الوالي أحمد عباس قد جمع مؤخراً مشايخ الطرق الصوفية في الولاية في إحدى الفعاليات وجاء بشيخ سلفي ليعطيهم محاضرة فأساء هذا الشيخ للنبي صلى الله عليه وسلم وقال إنه شخص عادي لا امتياز له على البشر فلِمَ كل هذا التبجيل والتعظيم ( والعياذ بالله ) وقد أحدث هذا الأمر ضجة كبرى وتوتراً بالولاية آنذاك، ثم ذبح أحد السلفيين ابنه لأنه انتمى إلى إحدى الطرق الصوفية.

لقد سردنا كل هذه الأحداث لنلفت النظر إلى أن انتشار أمر التطرف بولاية سنار لم يكن من قبيل الصادفة وإنما كان نتاجاً لسياسات الوالي الخاطئة التي تنمُّ عن مجانبة الحكمة والصواب في التعامل مع هذه القضية الحساسة، لذلك لابد من مراجعة سياسات الوالي ومحاسبته على استعداء الصوفية هناك وهم غالب أهل البلد مقابل التسهيل للفكر المتطرف.

في اعتقادي أن أسباب التطرف عموماً والتي تحاشاها المتحدثون في برنامج ( حتى تكتمل الصورة ) معلومة لكل ذي عقل والصورة في أذهانهم واضحة ولكنها ( نيجاتيف ) فقط تحتاج إلى تحميض حتى يعرضوها على الملأ، لأن التطرف ليس مسألة شخصية كما يدعي البعض وإنما هو فكر مشترك يرجع إلى تيار معروف وهو التيار الوهابي الذي بدأ في الاستشراء بالسودان، وما السلفية الجهادية إلا ذريعة لإخفاء خطورة هذا الفكر الذي يفتي معتقدوه بالحرام والحلال وفق هواهم واعتقادهم الخاطيء ويعمدون إلى تكفير الصوفية عموماً وكل من خالفهم الرأي ابتداءً من الحكام وحتى ماسح الأحذية لأن هذه الأحذية هي صنيعة الكفار!! وهنا أتفق مع الشيخ الياقوتي الذي اعتبر أن الإيمان بالفكر التكفيري في حد ذاته تطرف ناهيك عن الجهر به، ولا أدري بماذا يسمي المرحلة التي بعدها وهي القتل والتفجير هل هي حرابة أم ماذا؟!

إننا بتنا نواجه خطراً حقيقياً على الإسلام والسودان في ظل فوضى الفتاوى العشوائية الضاربة بأطنابها في المجتمع والتي يتلقفها الجهال من الشباب المتحمس فيحيلونها إلى فعل متطرف يبتغون به جنة الله حسب اعتقادهم ، هذا إضافة إلى الحلقات الدعوية المنتشرة في الأسواق والساحات العامة التي تبث الفكر المتطرف في ظل غياب الرقابة عليها من قبل السلطات المختصة، وهنا حق لنا أن نتساءل ماهو دور وزارة الإرشاد والأوقاف حيال هذا الأمر أم هي وزارة حج وعمرة فقط ؟! إن المسئولية والأمانة تحتمان على الوزارة أن تقوم بواجبها على الوجه الأكمل باعتبارها جهة الاختصاص وأقترح عليهم أن يقوموا بمبادرة لإطلاق حملة مكافحة التطرف الديني عبر الإرشاد والوعظ والإعلام بعقد الندوات والمحاضرات والمؤتمرات تشرك فيها كل التيارات ومنظمات المجتمع المدني بما فيها التيار السلفي الوهابي، كما أنبه إلى ضرورة مراقبة ومراجعة المناهج التي تدرس في المعاهد الخاصة بالجماعة الوهابية وفي مقدمتها معهد الكلاكلة لأنها في اعتقادي هي مكمن الخطر لما تقوم به من زرع للفكر المتطرف في عقول الشباب ، وكلنا نعلم أن الخليفي درس وتخرَّج في معهد الجماعة بالكلاكلة ففعل فعلته تلك والتي ابتدأها بمن غذَّوه بهذه الأفكار، وطالما أن التطرف يبدأ في العقل فلابد مكافحته في العقل أولاً ... هذا أو الطوفان.

Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com
Body
Background Color
Top
Background Color
Text Color
Link Color
Background Image
Bottom
Background Color
Text Color
Link Color