// // //
في حضرة الإمام الحسن
Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.com

في حضرة الإمام الحسن

PDFطباعةأرسل إلى صديق

متنوعات - مقالات

محمد الأنور الشيخ إدريس


أمسية من أروع الأماسي المتفردة التي شهدتٌها بقاعة الصداقة مؤخراً، ألا وهي احتفائية مؤسسة أروقة للثقافة والعلوم والتي أقامتها تكريماً لعالم جليل وإمام رائد ومربٍ من الطراز الأول هو الإمام المجدد البروفيسور الشيخ حسن الشيخ الفاتح الشيخ قريب الله، وذلك لإنتاجه الفكري الضخم والمتميز، حيث بلغت مؤلفاته الـ 127 مؤلفاً في شتى ضروب العلم والمعرفة رفد بها المكتبة المحلية والعالمية، ويأتي الاحتفال تحت شعار: ( فرسان القلم ) لتسليط الضوء على علمائنا الأفذاذ الذين أفادوا هذه الأمة أيما إفادة بما قدموه من علوم ومعارف نتاج بحث وتجارب وخبرة بذلوا في سبيلها كل غالٍ ونفيس، فكان الاستهلال بقامة سامقة وشخصية فذة في ميدان التأليف والإنتاج الفكري.
ويأتي الاحتفال متفرداً لكونه يسلط الضوء على جانب آخر من شخصية الإمام الحسن لم يبرز محلياً ولكنه معروف على الصعيد العالمي، حيث نجد أن ما برز من شخصيته إعلامياً هو كونه شيخ إرشاد وتربية باعتبار أنه شيخ للطريقة السمانية، وحتى إدارته لجامعة أم درمان الإسلامية طغت عليها زعامته الصوفية وهذا يعود بالتأكيد إلى التأثير الإيجابي الطاغي للتصوف وشيوخه على المجتمع السوداني، لذلك فإن هذا الجانب الفكري للإمام الحسن كان غير مطروق قبلاً محلياً فاقتحمته مؤسسة أروقة بربانها الماهر الأستاذ السموأل خلف الله – جزاه الله خير الجزاء – ولو عدنا إلى إلى أجواء الاحتفائية الحاشدة للاحظنا أن وراء إخراجها بهذه الروعة جهداً كبيراً قد بذل وتشهد على ذلك فقراتها المتنوعة كتنوع حبات الفاكهة في المائدة، ابتداءً من جوقة المنشدين المتجانسة والمتناسقة والتي وقف عليها المبدع خليفة حسن بلة، ومروراً بالمسرحية الرائعة ( أركان التصوف ) وهي بالمناسبة من تأليف المحتفى به الإمام الحسن من جملة مسرحيات أخرى ألفها حيث عرف عن فضيلته اهتمامه الكبير بالمسرح باعتباره وسيلة مهمة وفاعلة من وسائل الدعوة المتعددة، وقد أداها بكل روعة واقتدار أبناء الشيخ المكرم الشيخ محمد توم هذا الشيخ المبدع والفنان الذي وقف على إخراجها فنياً ووضع اللمسات الجميلة لها فبرزت في ثوب قشيب - جزاه الله خير الجزاء ووفقه في نهجه الذي يسير عليه - وقد عُرف عن الشيخ المكرم اهتمامه بالنشء وتعليمهم وتدريبهم وصقل مواهبهم ومهاراتهم في مجمعه الدعوي بالرميلة فالتف حوله الشباب ودعمه في ذلك الشيوخ، أما الروعة الفائقة فكانت الفيلم التوثيقي الذي أنتجته مؤسسة أروقة عن حياة الإمام الحسن الفكرية والذي سلط الضوء على إنتاجه المعرفي الغزير، ووضحت فيه الاحترافية العالية التي أنتج بها الفيلم، ولعله ينافس في مسابقات دولية إذا قدم لها، وأشير هنا إلى مهرجان الجزيرة للأفلام التسجيلية فيمكن لمؤسسة أروقة أن تشارك فيه.
الحضور النوعي للاحتفال زاده روعة وبهجة حيث تشكل من كافة شرائح المجتمع، رغم أن شريحة العلماء والمفكرين الذين عاصروا الإمام الحسن وزاملوه أو تتلمذوا على يديه قد غلبت على الحضور، ولي ملاحظة صغيرة هي أن فكرة الاحتفال والتكريم رغم روعتها وتفردها إلا أنها أغفلت جانباً مهماً في حياة الإمام الحسن ألا وهو عامل الوقت حيث عرف عن الإمام الحسن استثماره الفائق للوقت، وإذا حاولنا قياس الوقت العادي للإنسان ومقارنته مع إنجازات الإمام الحسن ولا سيما في مجال تأليفه للكتب لوجدنا أن هذا الوقت والذي يتكون من 24 ساعة في اليوم لا يكفي لتأليف هذا المؤلفات إذا وضعنا في اعتبارنا بقية الالتزامات الأخرى في الحياة اليومية خصوصاً وأن الإمام كان جل وقته مشغولاً لما له من مسئوليات جسام يقوم بها، وقد عرف عنه أنه كان يخوض صراعاً قوياً مع الوقت حيث كان يقول: ( نحن في صراع مع الوقت ) وهذا ديدن الصوفية ومنهجهم الذي قاموا عليه لأن من قواعد منهجهم ( الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، والنفس إذا لم تشغلها بالطاعات شغلتك بالمعاصي )، ( والصوفي ابن وقته ) وكان الإمام الحسن حينما يرى شخصاً لديه فراغ يغبطه عليه ويقول: ( ليته باعنا هذا الوقت كي نستفيد منه )! لذلك كان الإمام الحسن يستثمر كل ثانية من وقته في إنجاز جديد يفيد به الإنسانية، وبالحسابات البسيطة نجزم أن هذا الرجل المتفرد لم يكن يأخذ ولو الحد الأدنى من الراحة الاعتيادية الجسدية للبشر، رغم أنه ذكر للإعلامي عمر الجزلي في برنامج ( أسماء في حياتنا ) أنه بشر كسائر البشر يصيبه التعب ويحتاج للراحة، إلا أنني لا أعتقد ذلك في الواقع فالشيخ قد وهبهه الله طاقة جسدية وذهنية جبارة تفوق حد التصور وقد يسميها البعض توفيقاً أو بركة أو مدداً إلهياً فصار بذلك ما ينجزه الإمام الحسن في ساعة ينجزه غيره في يوم ويومين مع عدم مناسبة المقارنة، إلا أنني أقول إنها الهمة العالية وكل ذلك مرده لإخلاص الشيخ وصدقه وتجرده ابتغاء مرضاة الله تعالى فحق للناس بذلك أن يتخذوه إماماً ومرشداً ومربياً.
لقد فجعت الأمة أيما فجيعة في انتقال الإمام الحسن للرفيق الأعلى، لأن هذه الأمة كانت في أشد الحاجة لرجل مثله ( صاحب حال ومقال ) في زماننا الصعيب هذا وذلك للصفات الفريدة التي يتمتع بها وقل أن توجد في رجل مثله، وحقيقة هناك عبارة أسمعها كثيراً في تأبين الراحلين عن هذه الفانية وأقرأها في إعلانات النعي والاحتساب وهي عبارة ( الفقد الجلل ) ولم أعي ثقل هذه العبارة وعمق معناها إلا عند انتقال الإمام الحسن للرفيق الأعلى لأن فقده حقيقة كان جللاً بكل المعاني، ولكن أحسب أن العزاء في ذلك ما تركه لنا الشيخ الجليل من إرث فكري ومعرفي غزير يحتاج منا للبحث والتمحيص فيه وإخراج ما فيه من كنوز ودرر ومنهج متكامل مستمد من الكتاب والسنة فيه الحل لما نعاني منه من مشاكل في زماننا الراهن إن اتبعناه، ثم إن عزاءنا أيضاً متمثل في ذريته الطيبة المباركة التي خلفها وتلاميذه وأحبابه الذين نهلوا من فيض معينه الصافي وتشربوا بقيمه السامية وتربوا على نهجه القويم ويقودهم إلى ذلك خليفته فضيلة الشيخ محمد البدر الذي أعقب البدر فهنيئاً لديارههم التي ما غاب عنها بدر إلا وأعقبه بدر وفقه الله وأعانه في السير على خطى الإمام الحسن وطريقه والذي هو من أصعب الطرق وأوعرها لما فيه من الابتلاءات ولكن ( من يكن برسول الله معتصماً *** فخوفه بأمان الله مبدول ).
التحية مرة أخرى للمؤسسة الرائدة مؤسسة أروقة للثقافة والعلوم وربانها الماهر الأستاذ السوأل خلف الله وإخوته الذين معه على هذه اللفتة البارعة والإبداع اللامتناهي، ولكل من وقف وراء إخراج هذا العمل المبارك في صورته الجمالية الراقية من الذين وقفوا خلف الكواليس ونقول لهم جزاكم الله خيراً وجعله في ميزان حسناتكم.
كسرة:
التحية أبعثها أيضاً إلى إدارة جامعة أم درمان الإسلامية وهي تكرم الإمام الحسن ضمن تكريمها لمديري الجامعة الذين تعاقبوا عليها في احتفالية الجامعة بمئويتها بقاعة الصداقة، في لفتة بارعة تدل على الوفاء لرجل قاد مسيرة نهضة الجامعة الإسلامية وعمل على تطورها ورفع اسمها عالياً على المستويين المحلي والعالمي فأصبح بذلك رائد نهضتها بلا منازع، ولكنني لاحظت في احتفال الجامعة الإسلامية بقاعة الصداقة عدم إبراز صورة الإمام الحسن ضمن صور المديرين الذين تعاقبوا عليها وربما هو سهو فني ليس إلا، وقولنا هذا لأهمية معرفة الأجيال الجديدة من طلاب الجامعة الإسلامية برائد نهضتها، عموماً أقترح على إدارة الجامعة أن ينشئوا صرحاً أو مؤسسة ذات اختصاص تخلد اسم رائد النهضة التطويرية بالجامعة واعترافاً بجميله وفضله الكبير، وكلي ثقة في أن الرجل الفاضل البروفيسور حسن عباس مدير الجامعة سيولي هذا الأمر كل الاهتمام والرعاية.
الله نسأله أن يجزي الجميع خير الجزاء على ما قدموه تجاه هذا العالم العلامة الإمام الحسن من تكريم وتقدير، إذ تكريمه تكريم للعلم والتقى والصدق والتجرد وتكريم للأمة وإكرام لله عز وجل.

Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com
Body
Background Color
Top
Background Color
Text Color
Link Color
Background Image
Bottom
Background Color
Text Color
Link Color