// // //
التصوف المنهج الأمثل للحياة
Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.com

التصوف المنهج الأمثل للحياة

PDFطباعةأرسل إلى صديق

كلمة الطريقة السمانية الطيبية القريبية الحسنية

القاها الأخ : عز الدين علي عمر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله القائل: ( يا أيها الناس اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

ما من شك أن التصوف هو منهج التربية الروحي والسـلوكي الذي يرقى به المسلم إلى مرتبة الإحسان التي عرَّفها سيدنا رسول الله r بقوله: ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) فالتصوف برنامج تربوي يهتم بتزكية النفس وتطهيرها من كل الأمراض التي تُحجب بها عن الله عز وجل ، وتقويم انحرافاتها السلوكية فيما يخص علاقة الانسان بربه ونفسه وأفراد مجتمعه، ولا شك أن علاج النفس من أمراضها وأدرانها أمرٌ يوجبه الشرع القويم والعقل السليم ولولا ذلك لما كان هناك فرق بين الانسان والحيوان.

إلا أننا نلاحظ أن البعض قد قصر تغافلاً أو جهلاً دور الصوفية على الميدان الروحي فقط والسمات المظهرية دون القيم الجوهرية مع علمهم بأن الصوفية كانوا ومازالوا ذوي صلة وتأثير وفعالية بالإضافة إلى الميدان الروحي بميادين أخرى : اجتماعية منها ونفسية وسياسية وفكرية وثقافية وتربوية وإعلامية وغيرها، مع مفهوم لهم خاص وريادي في كل ذلك يقوم في المقام الأول على العلم الشرعي المدعم بالتجربة العملية والخبرة وفي ذلك يقول سيدي الشيخ قريب الله:

تعلم العلم واقرن ذاك بالعمل ** ولا تكن في الذي حملت كالجمل إن الصوفية هم أعرف الناس بشئون المجتمع وأقربهم إلى قلبه وأحرصهم على خدمته، هم دعاة التآلف والوحدة والمودة والرحمة والأخوة، هم أصحاب التكافل الاجتماعي والترابط الأسري والتلاحم القبلي، هم المطعمون للجائع والكاسون للعاري والملبون حاجة المضطر والمؤمنون للخائف.

ما أمهم راجٍ يؤمل رفدهم ** إلا ويرجع رابح الأسواق

كم من كسير في وريف ظلالهم ** قد سربلته شعائر العشاق

سادتي الأماجد:

لقد شكّلت الطرق الصوفية عبر الفترات التاريخية الممتدة منذ عهد سلطنة الفونج الإسلامية، وحتى وقتنا الراهن آلية من آليات التماسك والتكافل الاجتماعي، ونجحت بتعاليمها المستندة إلى الكتاب والسنة النبوية وبمناهجها التربوية والسلوكية وشيوخها المتحققين الذين مثلوا القدوة والأنموذج للـــمريدين والأتباع،

ساروا على قدم الرسول محمد ** من غير تدليس وغير نفاق

مهما تبرجت الدنا وازينت ** عافوا لها من رغبة في الباقي

لقد نجح السادة الصوفية في تبديل الولاءات والانتماءات القبلية والعرقية والجهوية بأخوة الدين والانتماء للوطن ورابطته، بل نجد أن السودان بتشكيله الجغرافي الحالي تشكيل صوفي بمدنه وقراه وأحيائه، فقد أسس السادة مشايخ الطرق الصوفية القرى والمدن التي أصبحت مراكز إشعاع حضاري استقطبت أعداداً كبيرة من الأهالي أووا إليها للاستقرار بها ، ولا يسع المجال هنا لحصر وإحصاء شامل لها.

وعلى الصعيد العلمي والفكري نجد أن السادة الصوفية قد برزوا وتفردوا في إنتاجهم الغزير حيث نجد أن معظم مؤلفات المكتبة الإسلامية المرجعية في شتى ضروب العلم الشرعي والنقلي من إنتاج علماء المتصوفة، ومثال على ذلك مؤلفات الإمام المجدد البروفيسور سيدي الشيخ حسن والتي بلغت 127 مؤلفاً في مختلف فنون المعرفة.

لقد زعم البعض أن التصوف دعوة إلى العزلة والسلبية والتواكل وهذه أمراض اجتماعية إنما أُلصقت زوراً وبهتاناً بالتصوف، بينما الواقع غير ذاك لأننا نجد أن المتصوفة كانت لهم ألقاب تدل على ما كانوا يزاولونه من مهن وحرف وصناعات أمثال: القصاب والوارق والخراز والحلاج والصيرفي والفراء والسماك، لقد نشأ التصوف ليضع أتباعه في خضم الأحداث الاجتماعية والسياسية في المجتمع الاسلامي لا ليكونوا بمعزل عن تلكم الأحداث، بل عمل التصوف على إعداد منتسبيه ليكونوا في خدمة الدين والأمة والوطن، فلم يقف التصوف ولا الصوفية عند حالة الذكر والزهد والتعبد الفردي أو الجماعي بل أصبح للتصوف مؤسسات كبيرة لها امتدادات في العالم أجمع وصارت تقوم بدور تنموي وسياسي واجتماعي كبير. فشكل الصوفية بذلك حضوراً بارزاً في كافة مناحي الحياة العامة يستصحبون معهم قيمهم ومبادئهم التي تشربوها وتربوا عليها من منهج التصوف ويمثلون نموذجاً أمثل في مواقعهم فرأوها الناس فيهم حالاً ومقالاً، فصارت بذلك فئات المجتمع وطبقاته منتظمة في سلك التصوف أو متشربة بمعانيه أو محبة لرجاله أهل الإرشاد والتزكية.

لقد كانت مجتمعاتنا تعيش في كنف التصوف وأهله آمنة مطمئنة تأتيها السلامة رغداً من كل مكان فالصوفي قد سلم الناس من لسانه ويده يمشي على الأرض هوناً.

كن هيناً كن ليناً كن ديناً ** وإذا ظلمت فلا تؤاخذ واحلُمِ

يا من تردنا للأمر سلم ** وجه لوجهك لله واسلم

ولا تشاجر ولا تشتِّم ** ولا تخاصم لأي مسلم

إلى أن وفدت إلينا مناهج دخيلة علينا أخذ بها غير المتصوفة جهلاً فكان عاقبة ذلك أن ساد التفكك الاجتماعي والانحلال الأخلاقي والكساد الاقتصادي، وفوق ذلك كله برز الغلو والتطرف في الدين وانتشرت ظاهرة تكفير المسلمين وعمت الفتنة بين أفراد المجتمع المسلم وصلت حد الاحتراب والاقتتال بغير وجه حق، فصار الأخ يقتل أخاه والابن يقتل أباه والتلميذ يكفر أستاذه والفرد يكفر المجتمع والرعية تكفر راعيها ، كل هذا نتيجة تلك الافكار الضالة المضلة التي لا تمت للإسلام بصلة والتي انتشرت في العالم أجمع، ونخشى ما نخشى أن تغزو مجتمعنا وتهدد ديننا ووطننا، لذلك إذا لم نتنبه لها ونزل هذه الغشاوة من أعيننا فإن الطوفان سيأخذ الجميع بلا فرز. لذا فإننا نعيد تقديم منهج التصوف كترياق مجرب ودواء ناجع لكل الأمراض والأدواء التي تعاني منها أمتنا الاسلامية لأنه قادر على وضع الحلول للمشاكل والصعاب التي تواجه البشرية جمعاء.

ونقول في ذلك إن الإنسانية قد جربت كل المناهج فشقيت بها كما هو ماثل أمام أعيننا في العالم من حولنا، ما عدا منهج التصوف والذي كان سبباً في إسعاد البشرية التجربة العملية، وإننا إذ نقدم هذا المنهج كنموذج أمثل ليحتذى ويقتدى به، إنما نقدم في الحقيقة نموذجاً حياً ماثلاً أمام أعيننا بتاريخه المجيد و حاضره المشرف وتجربته الثرة في إرساء القواعد لمجتمع متضامن متخلق طاهر مبني على نفس المبادئ والمثل التي جعلت السلف الصالح لهذه الأمة يصل إلى ما وصل إليه دون إقصاء لأي كان وفي التزام تام بكل ما يجمع شمل الناس ويوحد بينهم.

إن تمسك الصوفية بالمبدأ الوسطي الذي قام عليه الإسلام عصمهم من الغلو والتشدد ونأى بهم عن الانحلال والتفسخ وجعل رحابهم ساحات لنشر روح الدين القائم على العلم وحسن السلوك والمحبة والتسامح والألفة بين الناس كآفة.

أيها الجمع المبارك:

هي دعوة نرسلها من هذا المنبر إلى أولي أمرنا ونقول له إن الاستقرار الذي تشهده بلادنا دون سائر البلدان من حولنا سببه في المقام الأول رسوخ منهج التصوف والعقيدة الأشعرية والمذهب المالكي في المجتمع السوداني

واتبع طريق الأشعري وقومه ** واترك مقال مجهم ومجسم

واحبب رسول الله واحبب آله ** والمؤمنين كعارف ومعلم

، ونخشى مستقبلاً إذا تم تهميش هذه الثوابت الثلاثة أن يكون الأمر على غير ما هو عليه ونفقد هذا الاستقرار الذي نتمتع به، لذلك فإننا نرى ضرورة أن يستعين أولو الأمر ويستشيروا أهل الحكمة من السادة الصوفية في كل ما يهم الأمة من شئون حياتها ولا سيما في وضع مناهج تزكوية تحصن المجتمع من التطرف والانحراف على السواء، كما هي دعوة إلى أئمة المساجد وقيادات المجتمع ورموزه إلى ضرورة سعيهم الجاد لضبط الخطاب المتطرف الداعي إلى تكفير الآخر وتفسيق المجتمع.

أيها الحضور الكريم:

إن من أهم الوسائل الفاعلة في نهضة الأمة وتقدمها هي الإعلام بكافة أدواته، فالإعلام هو الناقل لروح الأمة وخصائصها ويُعنى بنشر القيم والأخلاقيات والسلوكيات التي تمثل وعي أفراد المجتمع وتأخذ بأيديهم إلى الرقي والتقدم في كل المجالات، وبما أن التصوف يمثل المصدر الأقوى والأقوم في تحقيق النهضة والتقدم والوحدة في بلادنا والتي لا تتم إلا إذا قام الاعلام بالدور الأكبر والكفاءة الأعلى في إبراز تلك المضامين والقيم التي يمثلها التصوف، ومن ثم يتحتم على الإعلام التنبه إلى أهمية دوره بأن يوجه كل أدواته ووسائله تجاه ما ينفع الأمة ويحقق وحدتها. ونأمل من الإعلام أن يوسع دائرة ضوئه وينفتح على التصوف ومنهجه ويبرز دوره المتعاظم في بناء الأمة والمجتمع في الماضي والحاضر والمستقبل.

إننا ندعو إلى ضرورة استلهام القيم والمبادئ التي يقوم عليها التصوف في مناهج التربية والتعليم في بلادنا لكي تربى الأجيال الصاعدة على قيم الإيمان والصدق وطهارة النفس وتؤسسها على الدين القيم المبني على فطرة الله التي لا تبديل لها.

والله من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل

Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com
Body
Background Color
Top
Background Color
Text Color
Link Color
Background Image
Bottom
Background Color
Text Color
Link Color